في نهاية عام 2023، شهدت أسعار شحن الحاويات تحولاً مفاجئاً. فبعد انخفاض الطلب وضعف أسعار الشحن في بداية العام، وصولاً إلى أنباء خسائر شركات الشحن والخطوط الملاحية، بدا السوق برمته وكأنه في حالة ركود. إلا أنه منذ ديسمبر، تعرضت سفن الشحن لهجمات في البحر الأحمر، مما أدى إلى تغيير مسارها بشكل كبير حول رأس الرجاء الصالح، وارتفعت أسعار الشحن على الخطوط الأوروبية والأمريكية بشكل حاد، حيث تضاعفت خلال شهرين تقريباً، ووصلت إلى أعلى مستوى لها منذ بداية الجائحة، مما ينذر بمستقبل غامض ومثير لسوق الشحن في عام 2024.
بالنظر إلى عام 2024، ستؤثر خمسة متغيرات مجتمعةً على اتجاه أسعار الشحن، في ظل التوترات الجيوسياسية، وتغير المناخ، واختلال التوازن بين العرض والطلب على الطاقة الاستيعابية، والتوقعات الاقتصادية، ومفاوضات تجديد اتفاقية عمال الموانئ في شرق الولايات المتحدة. تمثل هذه المتغيرات تحديات وفرصًا في آنٍ واحد، وستحدد ما إذا كان السوق سيشهد دورة جديدة من ازدهار الشحن.
تسببت المشاكل المتزامنة في قناة السويس (التي تمثل ما بين 12 و15% من التجارة البحرية العالمية) وقناة بنما (التي تمثل ما بين 5 و7% من التجارة البحرية العالمية)، واللتان تمثلان معًا نحو خُمس التجارة البحرية العالمية، في تأخيرات وضغط على الطاقة الاستيعابية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الشحن. مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذا الارتفاع لا يعود إلى نمو الطلب، بل إلى محدودية الطاقة الاستيعابية وارتفاع أسعار الشحن. وهذا قد يُؤجج التضخم، وقد حذر الاتحاد الأوروبي من أن ارتفاع أسعار الشحن قد يُحد من القدرة الشرائية ويُضعف الطلب على النقل.
في الوقت نفسه، يشهد قطاع شحن الحاويات زيادة قياسية في الطاقة الاستيعابية، بينما يتفاقم فائض العرض. ووفقًا لـ BIMCO، سيصل عدد السفن الجديدة المُسلّمة في عام 2024 إلى 478 سفينة بسعة 3.1 مليون حاوية نمطية، بزيادة قدرها 41% على أساس سنوي، وهو رقم قياسي جديد للعام الثاني على التوالي. وقد دفع هذا شركة دروري إلى التنبؤ بأن قطاع شحن الحاويات قد يتكبد خسائر تتجاوز 10 مليارات دولار أمريكي خلال عام 2024 بأكمله.
مع ذلك، أحدثت الأزمة المفاجئة في البحر الأحمر تحولاً في قطاع الشحن البحري. فقد أدت الأزمة إلى ارتفاع حاد في أسعار الشحن، وعوّضت جزءاً من الطاقة الاستيعابية الفائضة، مما أتاح لبعض شركات الطيران ووكلاء الشحن فرصة لالتقاط الأنفاس. كما تحسنت توقعات أرباح شركات مثل إيفرغرين ويانغمينغ للشحن، في حين أن مدة أزمة البحر الأحمر ستؤثر على أسعار الشحن وأسعار النفط، مما سينعكس بدوره على عمليات قطاع الشحن البحري خلال الربع الثاني.
يرى عدد من كبار المحللين في قطاع نقل الحاويات أن أوروبا متأثرة بالصراع الروسي الأوكراني وأزمة البحر الأحمر، وأن الأداء الاقتصادي ليس على مستوى التوقعات، وأن الطلب ضعيف. في المقابل، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الأمريكي تعافياً سلساً، وأن يستمر الإنفاق الاستهلاكي، مما يدعم أسعار الشحن الأمريكية، ومن المتوقع أن تصبح المحرك الرئيسي لأرباح شركات الطيران.
مع المفاوضات المكثفة بشأن العقد الجديد طويل الأجل لخطوط الشحن الأمريكية، واقتراب انتهاء عقد نقابة عمال الشحن والتفريغ الدولية (ILA) في شرق الولايات المتحدة، واحتمالية الإضراب (إذ سينتهي عقد نقابة عمال الشحن والتفريغ الدولية بنهاية سبتمبر، وفي حال عدم قدرة المحطات وشركات النقل على تلبية الشروط، فمن المتوقع حدوث إضراب في أكتوبر، ما سيؤثر على محطات شرق الولايات المتحدة وساحل الخليج)، فإن أسعار الشحن ستواجه متغيرات جديدة. ورغم أن أزمة البحر الأحمر وجفاف قناة بنما قد أدّيا إلى تغييرات في مسارات الشحن وزيادة مدة الرحلات، ما دفع شركات النقل إلى زيادة طاقتها الاستيعابية لمواجهة التحديات، إلا أن العديد من مراكز الأبحاث الدولية وشركات النقل تتفق عمومًا على أن الصراعات الجيوسياسية وعوامل المناخ ستساهم في دعم أسعار الشحن، لكنها لن يكون لها تأثير طويل الأمد عليها.
بالنظر إلى المستقبل، سيواجه قطاع الشحن تحديات وفرصًا جديدة. ومع اتجاه زيادة أحجام السفن، ستزداد المنافسة وعلاقات التعاون بين شركات الشحن تعقيدًا. ومع إعلان ميرسك وهاباج-لويد عن تشكيل تحالف جديد، جيميني، في فبراير 2025، بدأت جولة جديدة من المنافسة في قطاع الشحن. وقد أدى ذلك إلى ظهور متغيرات جديدة في أسعار الشحن، ولكنه في الوقت نفسه جعل السوق يتطلع إلى مستقبل واعد في قطاع الشحن.
المصدر: شبكة الشحن
تاريخ النشر: 19 فبراير 2024
